You are here

[caption id="attachment_35310" align="alignleft" width="206" caption="الأمير نايف يتوسط أعضاء كرسي سموه أثناء زيارتهم له"]الأمير نايف يتوسط أعضاء كرسي سموه أثناء زيارتهم له[/caption]

حوار/ فاطمة عبد الرحمن
بينة بنت فهد الملحم كاتبة في القضايا الفكرية والاجتماعية الوطنية والأكاديمية، وعضو الفريق العلمي في كرسي الأمير نايف بن عبد العزيز لدراسات الأمن الفكري بجامعة الملك سعود، والباحثة التي مثلت المنطقة الشرقية في المؤتمر الوطني الأول للأمن الفكري وعُدّت إحدى الكفاءات الوطنية الواعدة. فاز بحثها المعنون بـ « الجامعات وصناعة الأمن الفكري: قراءة سسيولوجية لعلاقة الجامعات بالأمن الفكري في المجتمع السعودي» في مسابقة جائزة كرسي الأمير نايف بن عبد العزيز لدراسات الأمن الفكري لأفضل عشرة بحوث مشاركة في المؤتمر الوطني الأول للأمن الفكري والذي عقدته جامعة الملك سعود مؤخراً.

(اليوم) التقت الملحم في حوار مطول قسم على حلقتين.. فإلى تكملة الحوار:

التعليم والأمن الفكري
• ننتقل إلى الحديث عن التعليم، المحور الذي شغل قلمك.. علمنا أنك قدمت للجهة المسؤولة تصوراً لمشروع بناء استراتيجية تربوية تعزز الأمن الفكري لدى الطلبة، ما أهمية ذلك؟ وماذا يمثل التعليم للأمن الفكري الوطني؟

- هو بمثابة الرأس للجسد. في مقولة لـ «روبرت ماكنمارا: «ان أي مجتمع يمر بمرحلة التحول إلى مجتمع عصري، فإن الأمن بالنسبة له يكون معناه التنمية، فالأمن ليس المعدات العسكرية وإن كان يتضمنها، والأمن ليس النشاط العسكري التقليدي وإن كان يشمله. إن الأمن هو التنمية، وبدون تنمية لا يمكن أن يوجد أمن، والدول التي لا تنمو لا يمكنها أن تظل آمنة». ولو أن ماكنمارا لم يتحدث عن التعليم مباشرة، إلا أن عبارته كلها إشارة إلى شيء واحد هو التعليم، فهو بداية التنمية والشرط اللازم لتحقيقها. من هنا تتأكد أهمية قضية (التعليم والأمن الوطني) على أنها قضية واجبة البحث والدراسة وأن دلالاتها تتضمن ضرورة وأهمية بناء الإنسان المواطن وصياغة هويته الفكرية.

تعزيز الأمن الفكري
• هناك من يحمل المؤسسات الدينية المسؤولية الأكبر في تعزيز الأمن الفكري، وهناك من يرى أن الأسرة هي من تتحمل ذلك الدور، بينما السواد الأعظم يحمل مؤسسات التربية والتعليم مسؤولية مكافحة الإرهاب والبعض يتهمها بأنها ساهمت في تفريخه؟

- دائما أؤكد أنه من الخطأ الجسيم اتهام مؤسسات التربية والتعليم، فهي كغيرها من مؤسسات المجتمع التي تفاجأت بظاهرة التطرف والانحراف الفكري بين مجموعة من الشباب الذين مارسوا الإرهاب. وحين تُحمَل مؤسسات التربية والتعليم المسؤولية، فذلك عائد إلى أنه وبما لاشك فيه بأن في عصرنا الحالي لا رهان في التعليم إلا على احتضان منظومة التعليم لقيمة المنهج العلمي كأداة في تفكير الأفراد والجماعات. في المقابل فإن نتاج ضعف سيطرة منهج التفكير العلمي لم يجر على ثقافتنا سوى تكوين أنماط من الشخصية تستند في مجمل تصرفاتها وسلوكها على التفكير الخرافي أو الأسطوري أو على التفكير الصوتي والخطابي أو على التفكير التواكلي الاستسلامي مما يسهل على الفكر الإرهابي اختراق هذه الثقافة والتغلغل في أعماقها.

العلاقة بالتربية والتعليم
• في تصريح سابق لك، قلت ان علاقتك بالتربية والتعليم والموهبة والإبداع هي من قادتك شيئا فشيئا لقضايا الأمن الفكري.
- بُعد تنمية قدرات التفكير والنقد وإنضاجها لم أجده في مناهج التعليم العام السائدة، ولعل ذلك البعد هو عامل الجذب الذي أغراني بالانتقال إلى عالم الموهبة والإبداع بعد فترة زمنية قصيرة أمضيتها في التعليم العام. جاءت تجربتي القصيرة أيضا في عالم الموهبة والإبداع قبل مرحلة إكمال دراستي العليا والالتحاق ببرنامج الماجستير سوى أنها كانت من ثراء، وإذا صح التعبير أن تجربة التعليم العام نبهتني إلى وجود خلل ما! فتجربة الموهبة والإبداع أنارت الطريق بمواجهة التركيز على التلقين والحفظ من خلال تنمية مختلف العمليات العقلية من تحليل وتركيب وتجريب ونقد ومقارنة وحل للمشكلات، انتهاء بإبداع صور وحلول مغايرة للصور الراهنة.
القضية باختصار، التوفيق بين الاستراتيجيات التعليمية التي يقوم عليها تعليم الموهوبين وتوظيفها كاستراتيجيات عامة لجميع المتعلمين دون استثناء. فلا فائدة من سن برامج خارج إطار الجدول الدراسي أو المقرر المدرسي ما لم تكن تلك الاستراتيجيات هي صلب المناهج التعليمية. بمعنى أدق، التحرر من أي سلطة خارج السلطة التي تفرضها عمليات التفكير العلمي المنظومي.

الأمن.. والأمن الفكري
• هل بالإمكان الوصول لحالة مثالية من الأمن الفكري؟ وهل من الممكن أن يتنافى أمن الدولة مع أمن المواطن؟

- إن قضية الأمن الفكري الثقافية تختلف كثيرا عن قضيتها الأمنية، وهذا أحد الأسس للحديث عن مشروع واستراتيجية وطنية لحماية الفكر في إطاره الثقافي، ولعل هذا ما يبقي السؤال مفتوحا أمام المجتمع بأكمله وثقافته، فصياغة استراتيجية شاملة للأمن الفكري لابد وأن تتقاطع مع أدق التفاصيل في الثقافة والحياة الاجتماعية.

مصطلحات للتقسيم
• كثيرا ما تزج في خريطة حياتنا مصطلحات لم تكن معروفة أو سائدة في السابق مثل: ليبرالي وعلماني وإسلامي ووهابي وشيعي وسني ومؤدلج، هل هي إفرازات مجتمع مزعزع أمنيا وفكريا؟

- أعتقد أن فهم الأصولية والتعصب والإرهاب يبدو جليا كجزء من التناقض القائم اليوم في مستوى الفرضيات الموكلة لفهم الدين والحياة. المشكلة تتمثل في وجود أيدلوجيات ساهمت في التقسيم والتشرذم في ظل انهيارها وسقوط أقنعتها وانكشافها هو غياب البديل عنها وما أحدثه هذا الغياب من فراغ في المرجعية الفكرية والتشكيك فيها نتيجة أسلمة المشروع السياسي لتلك الأيدلوجيات ما مكّن الفكر الإرهابي أن يعشش في أرجائها ونصّب حقيقته بديلاً عنها.

زمن التحدي
• تعطيل العقل والرجوع إلى الماضي أو التمسك به وإجهاض الأفكار بمشرط الذريعة ظواهر اجتماعية تعرضت لها بالنقد والتحليل في مقالاتك، فهل يعني هذا أننا نعيش في الزمن الخطأ أم الزمن الصعب جدا؟ وهل التصحيح بات حلما؟

- أعتقد أننا نعيش زمن التحدي، والتحدي يكمن في الثبات على التضحية بالحاضر والمستقبل من أجل الماضي فقط، وذلك على أساس أن مفاتيح مسايرة العصر يمكن العثور عليها في التراث. فمعلوم أن لكل مجتمع حضارته وثقافته، وتراثه المادي والروحي. وحتى يستطيع أي مجتمع مسايرة العصر والسير في ركابه، عليه أن يعيش ويتعايش مع ظروف الزمان والمكان من خلال: نحت الماضي من أجل غربلته وتنقيته من الشوائب التي علقت به، ثم الأخذ بالأصل الذي يتوافق أو يمكن تطويره وتعديله بما يتوافق مع ظروف الحاضر، والنظر إلى الحاضر كحلقة وصل بين الماضي والمستقبل، إذ أنه يستلهم من التراث ما يفيد الناس، كما أنه يعدهم للحياة المستقبلية، مع مراعاة أنه لا فائدة من التمسك بأهداف ماض ولى وفات أوانه أو التضحية بظروف الحاضر الملموسة من أجل مستقبل ما زال في علم الغيب، وأخيراً التطلع إلى المستقبل والاستعداد له، إذ قد يأتي المستقبل بمفاجآته دون تهيئة الناس، فيحدث للناس صدمة وجدانية أو مادية.

• نعيش تحولات حياتية جادة ساهمت في خروج المغمور، وأنت تناقشين وتتناولين في مقالاتك استغلال الإسلام ونقد الخطاب الديني والتسامح والحوار والانفتاح على الآخر، وترين أن الثقافات المنغلقة لن يكون لها مجال مستقبلاً، لأنها تكرر نفسها ولا تسمح بالجديد والمبدع، فهل هذا نتاج بيئي طبيعي، أم هو بقايا دروس وقراءات متراكمة في العقل وقابعة في الذاكرة؟
- هو مزيج بين ذا وذاك وإضافة. بين نتاج تنشئة صحية وبنّاءة وبيئة أسرية داعمة ومانحة كل ما أحتاجه، وقراءات منهجية متراكمة ودروس حياتية مستفادة، وبين سماء وتربة وطنية صالحة لاستنبات كل ذلك من خلال آلية نمو وعمل منهجية وأقصد بالسماء جامعة «الوطن» جامعة الملك سعود التي أدركت واجبها جيداً تجاه هذه القضية، وأعني بالتربة الانتساب إلى كرسي الأمير نايف بن عبدالعزيز لدراسات الأمن الفكري الذي يرى أن الأمن الفكري يقوم على عدد من ذلك كأهداف رئيسية لمقوماته المرصودة، ومنها: تصحيح المفاهيم الإسلامية التي حرفها المنحرفون فكرياً أو استغلوها كمفاهيم الجهاد والتكفير والولاء والبراء ودار الإسلام ودار الكفر، وغرس القيم السِلمية وفق التصور الإسلامي كالحوار والتسامح الفكري وتبني ثقافة اللاعنف والسلم الاجتماعي، وحقوق الإنسان وممارسة الحريات المسؤولة كحرية التفكير والتعبير.

الحوار
• حسناً، ننتقل إلى إحدى تلك القيم وأهمها وهي الحوار، ما بين مبادرة خادم الحرمين الشريفين المتمثلة في حوار الأديان وبين وجود مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني وبين الواقع الحالي في التسامح مع المواطن الآخر والتعايش السلمي، ما تعليقك على كل هذا؟

- لا يمكن لأي حوار أن يكون فعالا في إزالة التوترات والنزاعات المتعددة قبل أن يزيل من طريقه الأسباب التي تقوده إلى مآزق، ومن تلك الأسباب: حصر الحوار في قمة الهرم المجتمعي وعدم انتقاله إلى قواعده الشعبية، وجعل الحوار يقتصر أحيانا على صيغة التعايش ولا يتعداها إلى مسألة العيش الواحد أو المشترك، وتركيز الحوار على حل الخلافات والأهم الوصول إلى الجوامع المشتركة التي تسهل العمل على المستوى الحياتي المعاش.
علينا اليوم أن نتحاشى المسببات التي تقود الحوار إلى مأزق، أو نتحاشى أن تقع الصيغ الحوارية في ثلاثة انحرافات أساسية: الانحراف الأول ويمكن تسميته (جهل الآخر)، والثاني يمكن تسميته (تشويه صورة الآخر)، أما الانحراف الأخير فيمكن تسميته بـ(الخوف من الآخر).

معاناة المؤسسات الثقافية
• تعاني مؤسساتنا الثقافية من عزوف زائريها، فلا تشهد مقاعد الحضور زحاما محفزا على الاستمرار، هل هذا قصور فيما تطرحه تلك المؤسسات وعدم ملاءمته لمقتضيات العصر المتحول وما يتطلبه من جذب وإغراء، أم هو افتقار للمثقف الواعي والمتابع؟

- سبق وأن أشرت بإحدى مقالاتي إلى أن الروح التي يجب أن تحرك المؤسسات الثقافية وتدب فيها الحياة تقتضي أن تكون متوافقة لمقتضيات التنوع الثقافي الذي بات هدفاً وقصداً رئيساً لجميع المجتمعات على حد سواء. التراث الثقافي مهم للإنسان طالما كان صحيحاً وسليماً ويساير ظروف الزمان والمكان ويوافق مستحدثات العصر، لأن هذا التراث يقوم أساساً على مرتكزات قوية، أما إذا كان مضمونه مهلهلاً ويحتوي ثقوباً عدة ويدعو للتخلف ولا يحرك الإنسان ليفكر فيما يحدث حوله ويرفض الانفتاح على ثقافات الآخرين وتجاربهم لينهل منها متأثراً تأثراً إيجابياً بها ووفق قيمه ومؤثراً فيها في الوقت نفسه، فلن نتوقع من هذا التراث أن يسهم كثيراً في تثقيف المجتمع، وإذا حدث ذلك، فيكون في حدود ضيقة، لا تواكب العصر ومتطلبات وظروف المرحلة الوطنية.

مبادرة المثقف وتذمره
• المثقف كثيرا ما يسمع صوته فقط ويؤمن بذاته حد الامتلاء، فقلما نجده مبادرا كما انه كثير التشكي والنقد، ما أسباب ذلك؟

- أعتقد أن إيمان المثقف بنفوذ الثقافة والذي لا يتجاوز النفوذ المعنوي الأخلاقي هو السبب. ذلك النفوذ لا يؤثر في المجتمعات إلا تدريجيا وإن كانت حصيلة تأثيره التدريجي تتواصل على مدى قرون حتى يحصل التغيير الحقيقي لكنه نسبي في السلوك البشري. في المقابل هو يؤمن بأن القرار الإداري يمكن أن يحدث تغييرا هائلا بين اللحظة التي يتم فيها اتخاذ القرار والزمن المحدد لتنفيذه.
أما بالنسبة لموضوع الحكم على موقف المثقفين وما يفرزونه من غذاء ثقافي، فهو يتعرض لما يتعرض له منهج حياتنا العامة من اختلال وفقدان للهوية الفكرية المرجعية وللتوجهات الأساسية في الفكر والفعل. وفي هذا السياق ظهرت مصطلحات كالمثقف الثوري ومثقف السلطة والمثقف الليبرالي والمثقف الإسلامي. وهناك من المثقفين من يسفهون أولئك جميعا، وكأنما يرون الحياة نوعا من التيار الذي لا يستطيع الإنسان أن يغير دفعة اندفاعه أو اتجاه ضغوطه.

أشواك في الطريق
• سؤال أخير.. نعلم أن كل طريق ليس ممهداً بالورود، فما أكبر الأشواك التي اعترضت طريقك في هذا المجال؟

- الجهل وعدم الاستشعار بمسؤولية كل مواطن فضلاً عن المسؤول تجاه هذه القضية الوطنية، والاعتقاد بأن مسؤوليتها منوطة بأشخاص وجهات معينة. وإحقاق للحق، أن ذلك لم يعق بقدر ما قوّى الإيمان بهذه القضية وقوّى الإرادة، وأطلق الحلم الصغير بعزيمة تجاوزت حدود المرجو إلى أفق حده السماء.

مصدر الخبر على جريدة اليوم