You are here

 


 بدأت صباح اليوم الأحد الموافق 13/3/1433هـ فعاليات الندوة العلمية عن الجوانب الإنسانية والاجتماعية في تاريخ الملك عبدالعزيز في يومها الأول التي ينظمها كرسي الأميرسلمان بن عبدالعزيز للدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية بجامعة الملك سعود وسط حضور من الباحثين والباحثات والمهتمين بتاريخ الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ وطلاب الدراسات العليا في مجال التاريخ من مختلف مناطق المملكة العربية السعودية، وذلك بقاعة حمد الجاسر بالجامعة ، والتي من المخطط أن تطرح خلال اليومين المحددين 26 ورقة عمل توثق للجانب الإنساني والاجتماعي في تاريخ الملك عبدالعزيز وتأثير تلك السجايا في المرحلة التاريخية للوطن وانطباع السمات الاجتماعية بصفة عامة بتلك الجوانب الشخصية للملك عبدالعزيز، وكذلك تسعى البحوث المشاركة إلى الذهاب بما استقر في الذاكرة التاريخية الوطنية من المواقف اليومية إلى القراءة المعمقة لفترة التأسيس الأولى للمملكة العربية السعودية ، وذلك  من خلال محاور عدة تتطرق لهذا الجانب الثري، وأول هذه المحاور هو القراءة المستفيضة لشخصيته ـ طيب الله ثراه ـ من منظور إنساني واجتماعي تهدف إلى رصد وتوثيق وتحليل المواقف والتعاملات اليومية المحلية والدولية والمراسيم الملكية لملك المملكة العربية السعودية ومؤسسها ـ طيب الله ثراه ـ واستشف أبعادها في التاثير في بناء الولاء والوفاء واللحمة الوطنية، وستعمل البحوث المشاركة في هذا المحور على استظهار شواهد تاريخية متواترة عن إنسانية المؤسس، وترسيخه ـ رحمه الله ـ لقواعد اجتماعية تعود في أصلها إلى تعاليم الإسلام ومبادئه وما أتفق معها من العادات العربية والشيم الكريمة في النسق الحياتي للناس والقرارات الحكومية ومباديء العلاقات البينيّة في نسيج المجتمع،  ثم توثيقها وتحليل أبعادها المختلفة وفق منهج علمي يتسق والتأريخ، المحور الثاني : تعامل الملك عبدالعزيز مع خصومه بعد انتصاره التعامل المتحضر والنبيل حتى أصبح من حارب ضده أو شكك في انتصاره ـ رحمه الله ـ من بعد ذلك جلساء وأصدقاء له لسماحة شخصيته وعفوه حين مقدرته، والمحور الثالث للندوة هو التعامل الإنساني والاجتماعي للملك عبدالعزيز في معاركه ـ طيب الله ثراه ـ ومواجهاته الحربية مع الخصوم والأعداء ونقاء معاملاته في هذا الإطار من شر الانتقام والاخذ بمباديء الإسلام في الحرب ، والمحور الرابع عن مواقف جلالته ـ طيب الله ثراه ـ الإنسانية تجاه العرب والمسلمين وارتباط موقفه المساند والمؤيد لقضاياهم ودعمهم في الضوائق السياسية والاقتصادية على شعوره الدائم ـ رحمه الله ـ  بأنه جزء لا يتجزأ من الوحدة الإسلامية وأن العالم الإسلامي جسد واحد عزته بتماسكه واتحاده، المحور الخامس الذي تقوم عليه بعض أوراق عمل الندوة هو الأعمال الخيرية لجلالته ـ طيب الله ثراه ـ وما قام به من جهود في هذا المجال الإنساني من تأسيس رؤية للعمل الخيري وأعمال البر وتعزيز مباديء التكافل الاجتماعي داخل المجتمع الجديد النشأة وبالتالي داخل العمل الحكومي بصفة ذلك تطبيقاً لتعاليم العقيدة الإسلامية وإيماناً بها ، أما المحور السادس للندوة فهو مساعدة الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ للناس ورصد بعض جوانب العطاء التي تشف عن كرم جلالته وسخائه مع الجميع من المواطنين وغيرهم .

 


وانطلقت الندوة في يومها الأول بثلاث جلسات شملت 14 بحثاً ، حيث ترأس معالي الدكتور فهد بن عبدالله السماري الأمين العام لدارة الملك عبدالعزيز والمستشار التنفيذي لكرسي الأمير سلمان بن عبدالعزيز للدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية  الجلسة الأولى والتي شملت ست بحوث، حيث بارك معالي رئيس الجلسة للحضور وللوسط العلمي بصفة عامة تدشين  كرسي الامير سلمان بن عبدالعزيز للدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية وانطلاق أعماله برعاية صاحب السمو الملكي الامير سلمان بن عبدالعزيز وزير الدفاع ورئيس مجلس إدارة دارة الملك عبدالعزيز مؤكداً على  حرص الهيئة العلمية للكرسي على  توجيهات سموه ـ حفظه الله ـ  التي وجه بها خلال  رعايته لحفل التدشين ، كما قدم شكره للدكتور عبدالله السبيعي على جهوده المتتابعة والمثمرة لظهور الندوة بهذا الشكل اللائق ، وقال معاليه في رئاسته للجلسة : " أرجو ان تكون هذه الندوة ساحة ومخاضاً لنقاشات جادة وافكار بحثية جديدة وهذا يبدو جلياً من أسماء البحوث وموضوعاتها " ، ثم اذن معالي رئيس الجلسة ببدء فعالياتها ، حيث استهلت ببحث للدكتور إسماعيل بن محمد البشري المدير السابق لجامعة الشارقة بالإمارات العربية المتحدة وعضو مجلس الشورى السعودي تطرق فيه لموقف من مواقف الملك عبدالعزيز المساندة للعرب والمسلمين ونصرة المظلومين وإستنكاره ـ رحمه الله ـ للاستعمار الغربي للعالم العربي والإسلامي ، وجاء بحث الدكتور البشري تحت عنوان: " الملك عبدالعزيز وثورة الدروز (1345 ـ 1355هـ / 1926 ـ1936م ) " وثّق من خلاله الموقف النبيل للملك عبدالعزيز تجاه الدروز في سوريا في مقاومتهم للاستعمار الفرنسي الذي كان قد قسّم الإقليم السوري إلى ثلاث دول من ضمنها دولة جبل الدروز وعاصمتها السويداء، وتحدث الباحث في ورقته بالتفصيل عن سير هذه الثورة العربية للدروز وتنقلها في مرحلة المقاومة الحربية من الأردن إلى السعودية فالعودة للأردن ، وما قام به الملك عبدالعزيز من الدعم لهذه الثورة  منذ بدايتها ضد المستعمر والمساندة لها في مرحلتها الثانية حين اتخذت شكل المقاومة العسكرية المتقطعة من الأراضي الأردنية التي كانت هي الأخرى مستعمرة بريطانية، ثم سماح الملك عبدالعزيز للثورة الدرزية بقيادة سلطان الأطرش باستخدام الأراضي السعودية بعد طرد البريطانيين لهم من الأردن، وإتاحة التنقل السريع والسهل لرجال الدروز المقاومين داخل منطقة ( النبك أبو نخلة ) الوقعة قريباً من القريات في شمال المملكة العربية السعودية، واستجلى الدكتور إسماعيل البشري عضو مجلس الشورى الدلالات المهمة في هذا الدعم من الملك المؤسس للثورة الدرزية العربية التي تندرج تحت إرادة الملك عبدالعزيز في وحدة الصف العربي والوحدة الإسلامية .  

 


 بعد ذلك قدم الباحث الأستاذ محمد رضا نصر الله عضو مجلس الشورى ورقته العلمية تحت عنوان : " علاقة الملك عبدالعزيز مع معتمده القطيف عبدالله بن نصر الله " استطلع فيها عمق العلاقة التاريخية بين وسط الجزيرة العربية وشرقها في عهد الملك عبدالعزيز ـ طيب الله ثراه ـ  من خلال العلاقات الوطيدة بين الملك المؤسس ـ رحمه الله ـ وبعض من أعيان حاضرة القطيف في تلك الفترة ومنهم عبدالله بن نصر الله واحمد بن مهدي بن نصر الله  ومعتمده هناك عبدالله بن نصر الله ، وما في هذه العلاقة من الأهمية الكبرى التي تمثلها  الأحساء والقطيف للحكم في عهد الملك عبدالعزيز.

 


وضمن مواقف الملك عبدالعزيز المناصرة تجاه العرب والمسلمين ألقت الدكتور دلال بنت مخلد الحربي من جامعة الأميرة نورة ورقة عملها والتي تطرقت لموضوع لم يطرق من قبل  وجاءة الورقة تحت عنوان " الملك عبدالعزيز ورعايته لليمنيين في بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية " وتضمنت رؤية توضيحية عن العلاقة التي سادت بين بريطانيا واليمن من جانب، واليمن والسعودية من جانب آخر أثناء فترة الحرب العالمية الثانية في ظل توتر العلاقات بين بريطانيا والإمام يحيى بن حميد ، لتصل إلى موضوع الوثيقتين اللتين احتويا على معلومات تخص طلب الإمام يحيى من المملكة العربية السعودية رعاية مصالح الرعايا اليمنيين في بريطانيا في ظل ذلك التوتر بين البلدين وبالتالي عدم وجود تمثيل دبلوماسي يمني في بريطانيا ، ويرتبط موضوع الوثيقتين التي كشفت عنها الباحثة الدكتورة دلال الحربي أمام الندوة بمسألة هجرة اليمنيين وانتشارهم في دول مختلفة ، وفقدانهم الرعاية الدبلوماسية في البلاد التي هاجروا إليها ، ومنها بريطانيا ، واستدل البحث عن جانب من الجهود التي بذلها الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ ضمن اهتمامه وحرصه على مؤازرة القضايا العربية والإسلامية في انحاء المعمورة .

 


 وفي بحثه " مواقف إنسانية للملك عبدالعزيز من واقع الوثائق العثمانية " قدم الدكتور سهيل صابان عضو هيئة التدريس في قسم التاريخ بجامعة الملك سعود استقراءً في الوثائق العثمانية في الأرشيف العثماني بإستنبول وأرشيف الجمهورية في أنقرة والتي انقسمت ـ حسب الباحث ـ إلى قسمين : الأول : الملك عبدالعزيز والدولة العثمانية من واقع وثائقها عبر أربع مراحل تاريخية من واقع تطور الأحداث في الجزيرة العربية، وشخصية الملك عبدالعزيز كما تعكسها تلك الوثائق، والألقاب والأوسمة التي حصل عليها من الدولة العثمانية ، أما الثاني : مواقف إنسانية للملك عبدالعزيز في الوثائق العثمانية ، وتناول الباحث الدكتور سهيل صابان خمسة مواقف مع العثمانيين في هذا الإطار الإنساني ، ودرس الباحث أمام الحضور الرؤية المتعمقة في تلك المواقف النبيلة لجلالته وقدم دلالاتها من وجهة نظره ، وهذه المواقف المدعمة باطلاعه على الوثائق العثمانية هي : موقفه من الكتيبة العثمانية في القصيم ( 1324هـ/ 1906م) التي جاءت من العراق والمدينة المنورة ، إذ أن جلالته ـ طيب الله ثراه ـ أخلى سبيلها وأمّن توصيلها إلى المقر الذي قدمت منه ، الموقف الإنساني الثاني توسط جلالته بالصلح بين أسرتين من الأحساء اقتتلا عام ( 1326هـ /1909م) أي قبل أن يتمكن الملك عبدالعزيز من استرداد الأحساء ،وإيقافه ـ رحمه الله ـ للقتال بين الأسرتين ، ثم تطرق الباحث للموقف الثالث الذي ظهر له في الوثائق العثمانية وهو موقف الملك عبدالعزيز مؤسس المملكة العربية السعودية من محاكمة بعض أعيان نجد في البصرة الذين اتهموا بقتل شيخ الزبير آنذاك، وذلك من خلال فحص الباحث للخطاب الذي بعثه جلالته ـ رحمه الله ـ إلى الباب العالي باستنبول عام ( 1327هـ /1909م) بطلب نقل المحاكمة من البصرة إلى بغداد لضمان حكم عادل يحفظ لهولاء السعوديين كرامتهم وعزتهم ، اما الموقف الرابع لجلالته والذي يشف عن إنسانيته المشرفة في المعارك والمواجهات موقفه من الكتيبة العثمانية في الأحساء بعد سيطرته عليها عام ( 1331هـ / 1913م) حيث أمر بتوصيلها بأمن وسلام إلى البحرين ثم إلى البصرة في دلالة على نبل المعركة عند الملك عبدالعزيز عبر تاريخه العسكري ونقاء نفسه من الانتقام والتشفي ، وأظهرت الورقة تلك المباديء الإنسانية الراقية التي انتهجها الملك عبدالعزيز خلال فترة الحروب والقلاقل والتي تنتهي إلى الرغبة الأكيده لديه ـ طيب الله ثراه ـ لبناء دولة ووطن على اسس تخلو من الأحقاد والثارات .

 

 


وفي البحث الخامس للجلسة الأولى من اليوم الأول للندوة خصصت الدكتورة حصة بنت جمعان الزهراني من جامعة الأميرة نورة بحثها عن ( مكانة المرأة لدى المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن ) استدلت من خلال مواقف عدة وإشارات تاريخية لعلاقة الملك عبدالعزيز مع المرأة على مكانتها العالية لديه ـ رحمه الله ـ وإيمانه الراسخ بدورها في بناء النهضة التنموية في المملكة العربية السعودية وأدوارها المشهودة في خدمة دينها وبلادها بصفتها نصف المجتمع ، واستنبطت الباحثة الدكتورة حصة الزهراني هذه الإشارات الاجتماعية من خلال علاقات الملك عبدالعزيز مع المرأة المحيطة به وبشؤونه مثل والدته وعمته وشقيقته وزوجاته وبناته وحفيداته حيث عرف عنه حبه لأهل بيته وأسرته وعطفه عليهن و الحرص على قضاءاحتياجاتهن، وكذا علاقاته مع باقي نساء المجتمع ، ووقفت الباحثة على مواقف عدة تظهر هذا العاطفة الفياضة من الملك تجاه المرأة والتي اتسمت بالعطف والتسامح والرعاية إلا أن هذه العاطفة الجياشة لم ينشغل بها ـ طيب الله ثراه ـ عن أعباء الملك بل اتخذها طاقة لاستمرار الانتصار والبناء.

 


واختتمت الجلسة ببحث سادس قدمه الأستاذ علي بن سليمان المهيدب من جامعة الملك سعود تطرق فيه إلى علاقة الملك عبدالعزيز ـ طيب الله ثراه ـ مع الأمراء وأعيان البلدان التي تحت سيطرته وذلك تحت عنوان ( الجانب الإنساني في مراسلات الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ مع أمراء وأعيان البلدان / سدير نموذجاً ) قدم من خلاله الباحث شواهد وثائقية عن التزام الملك عبدالعزيز في مراسلاته للأمراء وأعيان البلدان في سدير بعبارات أخوية تعكس الاحترام المتبادل وأريحية الملك القائد في تعامله مع رعيته  على أسس التواضع والبساطة وسمو الأخلاق والتقدير ما يعكس الأمن والاستقرار النفسي والاجتماعي في البلاد بفضل تطبيق هذه المباديء الإسلامية العظيمة .

 


وفي ختام الجلسة التي استمرت حتى صلاة الظهر أدار معالي رئيس الجلسة الدكتور فهد بن عبدالله السماري دفة المداخلات والتعقيبات والقراءات الأخرى للمواقف المذكرة من قبل الحضور من المدعوين والمدعوات، وشكر للمشاركين والمشاركات الذين تقاسموا بحوث الجلسة الاولى جهدهم العلمي وتفاعلهم المميز مع فكرة الندوة وأهدافها  والتي ينظمها كرسي الأمير سلمان بن عبدالعزيز للدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية بجامعة الملك سعود .

 


الجلسة الثانية :
 وبعد أداء صلاة الظهر استأنفت الندوة جلساتها، حيث ترأس الأستاذ الدكتور محمد بن ناصر الملحم الجلسة الثانية التي تكونت من أربعة بحوث قدمت مزيداً من الشواهد التاريخية من قرارات الملك عبدالعزيز وأقواله وتعاملاته على شخصيته الإنسانية الراقية وقدمتها للتوثيق والدراسة، فبدأت الجلسة بالبحث المقدم من الأستاذ الدكتور عبداللطيف بن عبدالله بن دهيش أستاذ التاريخ بجامعة أم القرى عن ( رعاية الملك عبدالعزيز للأيتام وتأسيس دور لهم في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض) سبر فيه الباحث البعد الاجتماعي الذي لم يكن يقل عن الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية والتعليمية والصحية التي رافقت مسيرة التوحيد والبناء للمملكة العربية السعودية،واهتمامه ـ رحمه الله ـ بجانب الرعاية الاجتماعية لمن هم بحاجة إليها ، وقدم الدكتور بن دهيش أمر جلالته بإنشاء ثلاثة دور للأيتام لإيواء الأطفال الأيتام في مكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض مثالاً على هذا البعد الاجتماعي الذي حرص ـ طيب الله ثراه ـ أن يعززه في المجتمع مع بداية انطلاقته نحو آفاق التطور والتحديث ، وألقى الباحث إضاءات على مواصفات تلك الدور الإنسانية الاجتماعية من حيث نظافتها الجيدة والغذاء المفيد والرعاية الصحية المستمرة  بما يشكل عناية نوعية لهذه الفئة مع توفير أسباب التعليم النافع، وذكر الباحث الدكتور في ورقته أن الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ كان يتولى الإشراف عليها بنفسه ويقوم بزيارتها وتفقدها ويطمئن على سير التعليم فيها وتقديم الجوائز التقديرية للمتفوقين منهم في كل مناسبة ، وتقديم الإعانات لأسر الأطفال الموجودين .

 


 بعد ذلك قدم الدكتور محمد بن مسعود العجمي رئيس مجموعة وسم قراءة تحليلية لشخصية الملك عبدالعزيز من منظور إنساني طبقها على مجموعة من القبسات والومضات التي اختارها الباحث من تصرفات الملك عبدالعزيز العفوية والصادقة والواردة في مؤلفات المؤرخين بصفتها شواهد متواترة من حياة جلالته ـ طيب الله ثراه ـ ، كما تعمق المؤلف بالتمعن والتأمل العلميين بمجموعة من أقوال الملك عبدالعزيز في مناسبات مختلفة وعرّضها للتشريح الفكري وما اتسمت به من السمو والعمق الإنساني وتأثير ذلك في وحدة الوطن وتلاحم المواطن والقيادة في سبيل الرقي بالمنجز الوطني ، وترسية قواعد الوفاء والولاء بين الشعب السعودي الأصيل و القائد المحنك والمتزن الذي استطاع أن يوحد الشعب ( الكيان ) والأرض ( المكان ) في وحدة كاملة ومتماسكة ظلت حتى الآن علامة فارقة في التاريخ الحديث.

 


 وامتداداً إلى التحليلات العلمية لمواقف الملك عبدالعزيز وصفاته الإنسانية طرح الدكتور عبدالله بن إبراهيم العسكر عضو مجلس الشورى وقة علمية بعنوان ( إنسانية الملك عبدالعزيز في الميدانين الإداري والحربي ) ركز فيهما الباحث على استطلاع دور إنسانية الملك عبدالعزيز التي هي جبلة وتعليم إسلامي في البناء الإداري للمملكة العربية السعودية وتعميم هذه الإنسانية وتاصيلها في العمل الحكومي بصفته الحاكم للدولة ودورها هذه الإدارة الإنسانية في نشر مظلتها على المملكة الشاسعة المساحة والمتعددة الثقافات ، ثم تطرق الباحث إلى الجانب الحربي للملك عبدالعزيز الذي كانت الإنسانية صفة ملازمة في حروبه وكذا نبله وسماحته بالرغم من أن الحرب بطبيعتها تفرض الصرامة العقلية والحزم الإداري بعيداً عن المواقف الإنسانية ، وخلص الدكتور العسكر في بحثه إلى أن حياة الملك عبدالعزيز تاريخ كامل ومستمر ولا يمكن النظر إلى تاريخه كسيرة ذاتية وهذا مايفسر ـ لدى الباحث ـ  تداخل الشواهد التاريخية الإنسانية مع إعجاب الرواة لها في شكل  كان يهدد المعلومة التاريخية ، وهذا ما يفسر إنسانيته رغم المتاح في الحرب من القوة والخدعة والقساوة وأيضاً التشفي بعد النصر .

 


وتحت عنوان ( الملك عبدالعزيز بين المقدرة والعفو ) درست الباحثة الدكتورة أميرة بنت علي وصفي مداح من جامعة أم القرى السمة الواضحة في شخصية الملك عبدالعزيز والتي ادهشت كثير من الباحثين وقبلهم أعداءه أنفسهم وأرجعت الباحثة تلك الصفة التي تسمو بها النفس وتعلو عن الصغائر والضغائن إلى الهدف الأسمى للملك عبدالعزيز في بناء وطن وقبل ذلك تعلقه بأهداب الشريعة الإسلامية، فكان لا يلجأ إلى الشدة إلى بعد استنفاذ كل وسائل الحوار واللين والسياسة ، وكان إذا دخل حرباً اتصف بالنبل وآداب الحرب وأخلاقها ولكنه بعد النصر لا يتشفى أو ينتقم أو يشمت بل يسخر كل مواهبه وقواه الإنسانية والعقلية لفتح قلوب هؤلاء الخصوم ثم ضمهم تحت عملية بناء الوطن والاستفادة من خبراتهم وعلمهم في تلك العملية المستمرة ، وذهبت الباحثة أميرة مداح في سبيل هذه السمة البارزة إلى دراسة وتحليل بعض الخطوط الأساسية في شخصيته ـ طيب الله ثراه ـ منها : فعاليات القيادة الإنسانية لدى الملك عبدالعزيز كالعدل والاتزان والقدرة على التعامل مع الآخر ، وإظهار مقدرة المؤسس ـ رحمه الله ـ في طريقة الحوار مع الآخر ، ثم توثيق بعض المواقف التي أظهر فيها الملك عبدالعزيز عفوه وتسامحه مع خصومه ومقدرته على العفو عند مقدرته ، واستخرجت الباحثة في ختام ورقتها عبراً واستنتاجات من هذه الصفة الإنسانية في شخصية الملك المؤسس ـ رحمه الله ـ وما آلت إليه من بناء الوطن بالحب والوفاء وتسخير طاقات العداء إلى طاقة بناء وعطاء.

 


 بعد ذلك تلقى الباحثون الأربعة في الجلسة مداخلات الحضور وتعقيباتهم على تفاصيل أوراقهم العلمية وإضافة أمثلة وقراءات أخرى لتلك التفاصيل عمّقت من القيمة العلمية للمعلومات التاريخية الواردة و أوسعت من التحليلات البحثية للمادة التاريخية للجلسة الثانية .

 


الجلسة الثالثة والأخيرة :
  واختتم اليوم الأول من الندوة بالجلسة الثالثة التي تكونت من أربع ورقات علمية وترأس إدارتها الدكتور إسماعيل بن محمد البشري عضو مجلس الشورى ، واستهلت بورقة العمل ( الملك عبدالعزيز في كتب الرحلات ، رصد معالم الشخصية ومجالات العطاء ) للدكتور طارق بن سعد شلبي من جامعة أم القرى بمكة المكرمة، و برر الباحث اختياره لكتب الرحلات لما فيها من الحيادية والجدية بعيداً عن الاجتهاد الذي قد تحكمه العاطفة، واجتزأ الدكتور طارق شلبي مقاطع من آراء رحالة شُهد لهم في بلادهم بالصدق والموضوعية لما هم يدركونه من المنزلة العالية والنقية لدى قراء بلدهم ، فهؤلاء الكتاب يعرفون أن لديهم قراء كثر يقرؤون ويتفحصون كتاباتهم ويحكمون عليها بصوت عال ، فجردوا أقلامهم وشهاداتهم التاريخية من النفاق أو العاطفة أو الزيادة المبالغة ، ووصفت هذه الورقة العلمية كتابات الرحالة بأنها اتصفت بالعمق ودقة الملاحظة والحياد والصراحة والمواجهة وهذا ما يجعلها ذات ثقل علمي وتاريخي يعتد بها ويؤخذ بها كشهادة خالصة ورؤية صافية لشخصية الملك عبدالعزيز ، وذهب الباحث من جامعة أم القرى إلى أن هذه الكتابات العربية من أقلام غير سعودية قرنت بين البعد المادي المرئي في الهيئة والخُلُق و البعد الوجداني النفسي في خلق الملك عبدالعزيز، وكان من نتائج ذلك أن وثق هؤلاء الكتاب في كتبهم المعتبرة صفات مميزة وظاهرة في السلوك والقرار مثل التواضع والبساطة والذكاء الاجتماعي والحفاوة بالزائرين وإكرام الضيوف وأثر ذلك في أن يكتسب الملك عبدالعزيز قلوب الناس وأن يحيل خصومه إلى موالين مخلصين، والنفور في شخصيته ـ طيب الله ثراه ـ من التعصب وحبه للعلم والتعلم .

 


 وفي دراسة وثائقية تحليلية قدم الدكتور علي بن عبدالله البسام من جامعة الملك فيصل بالأحساء الورقة الثانية للجلسة المسائية عن ( إنسانية الملك عبدالعزيز .. من خلال الوثائق ) استنبط من خلال وثائق تاريخية تمثل بعض رسائل الملك عبدالعزيز إلى شرائح اجتماعية مختلفة من المجتمع مثل أقاربه وقادته ، والموظفين المحليين ، والعاملين في السلك القضائي، والعلماء والدعاة، وعامة المواطنين ، وردود بعضهم عليه ـ رحمه الله ـ  إنسانية الملك عبدالعزيز والقيم النبيلة السامية التي كانت تحكم علاقة المؤسس بالناس عامة وترتكز على أسس إسلامية قوامها الاحترام للكبير والعطف على الصغير والإحسان للفقير والمحروم ومناهضة التعصب والكبر ومخاطبة الفئات المختلفة بلغتهم المفهومة وبقدرهم العلمي والثقافي ، كما استعرض الدكتور البسام والحضور وثائق من جريدة أم القرى التي تُعد أحد المصادر التاريخية المهمة عن تاريخ المملكة العربية السعودية لأخبار سعودية وقرارات وبلاغات رسمية ومراسيم ملكية واستظهر الباحث بتفحص ممنهج السمات الإنسانية الراقية التي  نضحت بها لغة هذه الوثائق التاريخية وترسخت في لغة التعامل بين المليك ومواطنيه، وما تميزت به شخصية المؤسس ـ رحمه الله ـ من سمو الأخلاق والتعامل الإنساني بين الراعي والرعية والرحمة والعطف والسخاء والكرم وحرصه على طلاب العلم، كما قرأ الدكتور البسام من خلال تلك الوثائق بعض القرارات الإنسانية التي أصدرها الملك بخصوص نقل الشؤون الاجتماعية من الهم الفردي إلى الهم الحكومي العام ما يعني ترسية هذه الأمر في الكيان الحكومي وعنايته ـ رحمه الله ـ بهذا الجانب الإنساني المؤثر في تعزيز مباديء التكافل الاجتماعي والتعاضد الإنساني بين فئات المجتمع، وضم الدكتور البسام صوته للباحثين والباحثات السابقين على ضرورة توثيق هذه الجوانب وتقديمها للاجيال القادمة ليتعرفوا على مؤسس البلاد ـ رحمه الله ـ من الناحية غير السياسية وما تمثله من تكامل متناغم مع الإنجازات الساسية المجيدة في تكوين صورة للقائد القوي الإنساني.

 


 بعد ذلك قدّمت الأستاذة جوزى بنت محمد السبيعي من جامعة الملك سعود ورقة عمل نوعية تتحدث عن رعاية الملك عبدالعزيز لفئة اجتماعية معينة هي المطوفين وذلك تحت نفس العنوان ( الجوانب الإنسانية في رعاية الملك عبدالعزيز للمطوفين ) تطرقت فيه إلى الدعم والرعاية التي حظي بها المطوفون حيث ضمن لهم عهد الملك عبدالعزيز كامل حقوقهم دون أن يؤثر ذلك سلباً في حقوق المهن الأخرى، وما خضهم جلالته  من الاهتمام دون غيرهم وإنشاء مؤسسات ترعاهم وتهتم بهم، لأهمية مهمتهم والشرف الذي يحملونه من خدمتهم للحجاج، بعد أن كانوا قبل العهد السعودي يتعرضون للابتزاز والاستغلال وضياع حقوقهم .

 


 عقب ذلك قدّم الأستاذ زهير بن عبدالله الشهري من جامعة الملك سعود ورقة عمل عن العلاقات الحميمية والإنسانية في رسائل الملك عبدالعزيز الشخصية والإدارية لمنطقة عسير خلال الفترة 1338 ـ1373هـ / 1920 ـ1953م وحدد الباحث المنطقة الجغرافية والفترة التاريخية ـ حسب تعليله ـ ليحصل على دراسة مركزة وأكثر عمقاً إضافة إلى أنه قد توفرت لديه وثائق تاريخية تخدم هذا التحديد وتثري الموضوع، واستجلى الأستاذ زهير الشهري بعضاً من السجايا في شخصية الملك عبدالعزيز من خلال ما في تلك الرسائل من الاحترام والود والشفافية من حيث لغتها المكتوبة بها، والتدين والرحمة والاعتذار والكرم والتواصل مع رؤساء القبائل والأهالي والاهتمام بالفقراء والمحتاجين من خلال موضوعها ومادتها التاريخية، وأكد البحث في تحليلاته وتفحص تلك الرسائل أن إنسانية الملك عبدالعزيز من خلال الخصال الإسلامية وحبه للتواصل مع شعبه ترادفت مع جهوده العسكرية والسياسية في تقديم قائد كانت البلاد تحتاج إليه ليتمحور حوله الشعب والإنجاز وهذا ما شجع واستمال شيوخ القبائل وفئات المجتمع الأخرى في منطقة عسير للتعاون مع الملك المؤسس في الوحدة والبناء بعد احساسهم العميق بوجود قائد محنك تتكامل المكونات الشخصية مع القدرات الحربية وإدارة شؤون المملكة العربية السعودية .

 


 عقب ذلك تفاعل حضور الجلسة مع الاستنتاجات والتحليلات التي خرجت بها الأوراق العلمية الأربع للجلسة في مداخلات ونقاشات مع المشاركين أظهرت رغبة الندوة في الوصول إلى أبعد من الوصف والرصد إلى الاستقصاء واتبطان الترابط الوثيق بين جهود الملك عبدالعزيز السياسية وشخصيته ـ رحمه الله ـ الإنسانية وأثرها في انتصاراته العسكرية والمعنوية.
بعدها حضر المشاركون والمشاركات والحضور حفل العشاء الذي أقامته دارة الملك عبدالعزيز تكريماً لهم في مقر الدارة والمباني التراثية .